أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / الأحكام الشرعية للعلاقات الاجتماعية بين المسلمين و غيرهم من أهل الديانات الأخرى ” الزواج المختلط نموذجا “
الأحكام الشرعية للعلاقات الاجتماعية بين المسلمين و غيرهم من أهل الديانات الأخرى ” الزواج المختلط نموذجا “

الأحكام الشرعية للعلاقات الاجتماعية بين المسلمين و غيرهم من أهل الديانات الأخرى ” الزواج المختلط نموذجا “

السيرة العلمية لعبد ربه الدكتور علي أبولعكيك
أستاذ التعليم العالي بجامعة القرويين- كلية الشريعة بفاس
و عضو المجلس العلمي المحلي بمكناس
 
 
أولا: الشهادات الجامعية العليا المتخصصة:
 
1) دبلوم في التربية و علم النفس – المدرسة العليا للأساتذة.
2) الإجازة في اللغة العربية و آدابها – كلية الآداب بفاس.
3) الكفاءة التربوية للسلكين الأول و الثاني.
4) دبلوم الدراسات العليا في العلوم الإسلامية و الحديث الشريف – دار الحديث الحسنية
5) دكتوراه الدولة في العلوم الإسلامية و الحديث الشريف، تخصص علوم القرءان والحديث – دار الحديث الحسنية.
 
ثانيا: الخبرة في مجال التربية و التعليم العالي:
 
1) أستاذ اللغة العربية بالتعليم الثانوي من 1969 إلى 1977.
2) أستاذ مؤطر لأساتذة التربية الإسلامية بالمركز التربوي الجهوي بمكناس.
3) أستاذ ملحق بكلية الشريعة بفاس من سنة 1981 إلى 1987.
4) أستاذ مساعد بكلية الشريعة بفاس من سنة 1987 إلى 1994.
5) رئيس شعبة الفقه و التشريع سابقا بنفس الكلية.
6) أستاذ التعليم العالي مساعد من سنة 1996 إلى الآن.
7) أستاذ التعليم العالي بنفس الكلية من سنة 1999 إلى الآن.
8) أستاذ بقسم الدراسات العليا و مشرف على عدد من الأعمال العلمية بقسم الدكتوراه      بكلية الشريعة بفاس.
9) عضو بمجلس الكلية سابقا.
10) عضو اللجنة العلمية بكلية الشريعة بفاس.
 
ثالثا: في إطار التعاون العلمي و بطلب من مؤسسات جامعية عدة:
 
1) أستاذ بالمدرسة العليا للأساتذة بمكناس.
2) أستاذ بكلية الآداب و العلوم الإنسانية بمكناس في شعبتي اللغة العربية و الدراسات       الإسلامية.
3) أستاذ بالأكاديمية الملكية العسكرية بمكناس.
4) أستاذ بكلية العلوم القانونية و الإجتماعية و الإقتصادية بمكناس.
 
رابعا: في إطار البحث العلمي و النشاط الثقافي:
 
1) مشارك في عدة ندوات علمية و لقاءات تربوية داخل الوطن و خارجه خاصة منها:
- دورة القاضي التي نظمتها وزارة الأوقاف بمراكش سنة 1981.
- مناظرة وزارة الثقافة المنظمة بفاس سنة 1990
2) مشارك في أعمال الجامعة الشتوية بمدينة إفران سنة 1988.
3) مشارك في ندوة المد الشعوبي في الثقافة الإسلامية و العربية بالعراق سنة 1989.
4) عضو البعثة العلمية التي تتوجه كل سنة إلى أوروبا لتوعية الجالية المغربية القاطنة     بأوروبا منذ سنة 1982 إلى الآن.
5) عضو المجلس العلمي بمكناس.
6) مؤطر لعدد من الأبحاث العلمية و الدراسات المتخصصة في حقل العلوم الإسلامية و    الشرعية بدار الحديث الحسنية و كلية الشريعة بفاس و كلية الحقوق بمكناس.
7) عضو هيئة التحرير بمجلة كلية الشريعة بفاس.
8) عضو في رابطة علماء المغرب و جمعية العلماء خريجي دار الحديث الحسنية.
9) أنجز عدة أبحاث و دراسات تزيد عن ثلاثين بحثا و دراسة منها ما هو منشور في بعض المجلات المتخصصة،منها ما هو في طور الطبع و منها ما هو مطبوع :
- علاقة الرسول صلى الله عليه و سلم بأهل الكتاب مثل أعلى للتسامح.

- نماذج من قادة الفكر و الإصلاح بالمغرب.

الزواج المختلط في الإسلام بقلم الدكتور علي أبولعكيك

مما لا شك فيه أن المرأة المسلمة اليوم أصبحت تواجه من تحديات الحياة أمرها و أقساها. و من صور هذه التحديات المنافسة الشديدة من قبل المرأة الأوروبية في اختطاف أبناء المسلمين و احتضانهم في بيئتها و استغلالهم جنسيا دون ضابط شرعي أو أخلاقي ، و مرد ذلك في نظرنا إلى تدهور الحياة الاقتصادية في عدد من البلدان الإسلامية خاصة الإفريقية منها ، إلى جانب ضعف الشعور الإسلامي في النفوس، و تحكم الجانب المادي في السلوك ، و الإعجاب ببريق الحضارة الأوروبية المادية ، و كذلك الحرية الفردية و الديمقراطية ، و تطبيق حقوق الإنسان في الواقع. وإن المأساة الإنسانية التي تعيشها الجالية الإسلامية في أوروبا في ميدان العلاقات الاجتماعية و نظام الأسرة منها على الخصوص ، تزداد يوما تعد يوم و تتفاقم ، و صورها تكاد لا تنحصر : فمن الزواج المختلط ، إلى الزواج المصلحي إلى الزواج الأبيض إلى غير ذلك من أنواع الزواج الفاسد .
و هكذا يقبل الشباب الإسلامي اليوم على أنواع من العلاقات الاجتماعية ، منها ما هو مقبول شرعا مع كثير من التحفظات عليها ، و منها ما يرفضه الشرع الإسلامي و يحرمه بتاتا لما فيه من أضرار و خطورة على حياة الفرد و المجتمع.
و إذا كانت العوامل الاقتصادية تضغط على كثير من الشباب المسلم ، فيجنح إلى ربط علاقات آثمة مع يهودية أو نصرانية أو مشركة أو وثنية ، فإنه يحق للواحد منا أن يسأل أو يتساءل عن موقف الإسلام من ذلك في إطار النظرة الشمولية للإسلام ، للكون و الإنسان و الحياة بصرف النظر عن جنسه و لونه و معتقده[1].
و إذا كانت السنوات الأخيرة من القرن العشرين تطفح بكثير من الأنشطة الثقافية و العلمية الداعية إلى تقارب الشعوب و الدول و ترسيخ دعائم التسامح بين الملل و الديانات ، فإنه منا لاشك فيه ؛ أن العوامل السياسية لها النصيب الأوفر في عقد الكثير من اللقاءات الدولية ، و لعل مرد ذلك في تقديرنا يرجع إلى القلق المتزايد الذي أصيبت به بعض الأوساط السياسية العالمية من جراء تصاعد موجات الإرهاب و العنف الذي تقوم به الصهيونية العالمية و تنسبه إلى بعض الطوائف الإسلامية البريئة التي اغتصب الصهاينة أرضها و حرموها من حقها في العيش في وطنها السليب ، و ما كان لهذا الانحراف أو التطرف أن ينمو و يتصاعد لو عرف الحكماء و المفكرون و القادة السياسيون المسلمون كيف يحتوونه و يصححون مساره ، فيتحقق بذلك السلام و الأمن و الاستقرار على أرض الواقع ، و تحيى من جديد بذور المحبة و الأخوة بين الإنسان وأخيه الإنسان بصرف النظر عن دينه و جنسه و لونه ، فيتحقق بذلك التعايش بين الإنسان و أخيه الإنسان ، و ذلك من خلال علاقته بمختلف أهل الديانات و الملل و النحل ، سواء كانت علاقة اجتماعية أم دينية أم سياسية أم فكرية. هذا الإطار العام الذي ينبغي أن تتخذه اليوم نموذجا أمثل لكل لقاء و حوار هادئ ، لاسيما في ظل هذه التحولات السريعة و المدهشة التي يعيشها عالمنا المعاصر ، الذي أصبحت فيه العالمية هي السمة المميزة للحضارة المعاصرة.
إن كل لقاء بين المسلمين و غيرهم داخل ديار الإسلام أو خارجها ، حيث الجاليات الإسلامية في ديار غير ديار الإسلام ، لابد  له أن يخضع لمنهج الإسلام و أحكامه و تصوراته الخاصة في التعامل الإنساني بين الشعوب و الدول ، على اعتبار أن الدعوة الإسلامية دعوة عامة وشاملة ، تتعايش في ظلها كل الأجناس البشرية ، لأنها دعوة بقوم و تنهض على الحكمة و الموعظة الحسنة ، كما قال الله عز و جل : ” أدع إلى سبيل ربك بالحكمة و الموعظة الحسنة و جادلهم بالتي هي أحسن “[2] . و هو نفس المنهج الذي ينبغي أن يسلكه المسلمون اليوم مع اليهود و النصارى ، سواء داخل ديار الإسلام أو خارجها ، مع مراعاة ما جاء في الكتاب و السنة. ” قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا و بينكم ، ألا نعبد إلا الله و لا نشرك به شيئا و لا يتخذ بغضنا بعضا أربابا من دون الله ، فإن تولوا فقالوا اشهدوا بأنا مسلمون ” [3]. ومع استحضار قوله تعالى : ” و لن ترضى عنك اليهود و لا النصارى حتى تتبع ملتهم”[4].
و إذا كانت هذه نظرة الإسلام لليهود و النصارى ، و هي بلا شك نظرة اعتبار و تقدير و أمن و أمان سواء داخل ديار الإسلام أو خارجها ، فإن نظرة أهل الذمة للمسلمين لا ترقى إلى هذا المستوى الإسلامي ، و إنما تظل حبيسة بين جدران الكراهية و الحقد و العنصرية ، كما يصرح بذلك مفكروهم و علماؤهم. يقول آدم متز : ” إن أكبر فرق بين الإمبراطورية الإسلامية وبين أوروبا التي كانت كلها على المسيحية في العصور الوسطى ، وجود عدد هائل من أهل الديانات الأخرى بين المسلمين و أولئك هم “أهل الذمة” الذين كان وجودهم من أهل الأمر حائلا بين شعوب الإسلام وبين تكوين وحدة سياسية ، و قد ظلت كنائس اليهود و النصارى و أديرتهم أجزاء غريبة ، و استند أهل الذمة إلى ما كان بينهم و بين المسلمين من عهود ، و ما منحوه من حقوق فلم يرضوا بالاندماج في المسلمين ، و قد حرص اليهود و النصارى على أن تظل “دار الإسلام” دائما غير تامة التكوين ، حتى إن المسلمين ظلوا دائما يشعرون أنهم أجانب منتصرون لا أهل وطن ، و حتى إن الفكرة الإقطاعية لم تمت ، بل كان وجود النصارى بين المسلمين سببا لظهور مبادئ التسامح التي ينادي بها المصلحون المحدثون ، و كانت الحاجة إلى المعيشة المشتركة و ما ينبغي أن يكون فيها من وفاق ، مما أوجد من أول الأمر نوعا من التسامح الذي لم يكن معروفا في أوروبا في العصور الوسطى ، و مظهر هذا التسامح نشوء علم مقارنة الأديان : أي دراسة الملل و النحل على اختلافها ، و الإقبال على هذا العلم بشغف “[5].
و لعل هذا النص يعبر عن نظرة الضيقة التي ينظرها المسيحيون للمسلمين ، فإذا كنا نجد فيه من جانب اعترافا ضمنيا بما يكنه الإسلام من احترام و تقديس و اعتبار لأهل الذمة داخل الدولة الإسلامية أو خارجها ، فإننا نجد فيه من جانب آخر نظرة الكراهية و الحقد التي يعكسها سلوك اليهود و النصارى بالنسبة للمسلمين في كل مكان.
فإذا كان الإسلام يبيح للمسلمين معاشرة أهل الكتاب في أكل ذبائحهم و التزوج ببناتهم ، فإن الدين المسيحي لم يكن يبيح للمسلم الزواج بالنصرانية سواء كانت ذات كتاب أم لا. يقول الأستاذ آدم متز : ” ولم يكن ثمة تزاوج بين المسلمين و غير المسلمين ، و ذلك لأن القانون المسيحي لم يكن يجيز للمرأة النصرانية أن تتزوج بغير نصراني لئلا تنتقل هي و أولادها إلى غير المذهب ، و لا كان يجوز للنصراني بحسب قانون الكنيسة أن يتزوج بغير نصرانية الإرجاء إدخالها هي و أولادها في النصرانية ، أما زواج المسيحي من مسلمة فكان مستحيلا ، على أنه كان في الدولة الإسلامية ما يضمن لكل ديانة من ديانات أهل الذمة كيانها الخاص “[6].
و الحقيقة التاريخية التي لا يتجادل فيها اثنان ، و تبقى غرة في جبين التاريخ الإنساني و الحضاري ، أن الإسلام من خلال نصوص الكتاب و السنة لا يتوانى لحظة واحدة عند سعيه لإقامة علاقات طيبة مع غير المسلمين ، لتحقيق التعاون البناء في سبيل الخير و العدل و البر و الأمن و حماية الحرمات و غير ذلك[7].
يقول سيد قطب عند تعرضه لتفسير الآية الخامسة من سورة المائدة : ” اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم ، و طعامكم حل لهم ، و المحصنات من المؤمنات و المحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ، إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين و لا متخذي أخذان. و من يكفر بالإيمان فقد حبط عمله و هو في الآخرة من الخاسرين”. و هنا نطالع على صفحة من صفحات السماحة الإسلامية في التعامل مع غير المسلمين ، ممن يعيشون في المجتمع الإسلامي في دار الإسلام ، أو تربطهم به روابط الذمة و العهد من أهل الكتاب ، أن الإسلام لا يكتفي بأن يترك لهم حريتهم الدينية ، ثم يعتز لهم فيصبحوا في المجتمع الإسلامي مجفوين ، معزولين منبوذين ، إنما يشملون بجو من المشاركة الاجتماعية و المودة و المجاملة و الخلطة. فيجعل طعامهم حلالا للمسلمين ، و طعام المسلمين حلال لهم كذلك ، ليتم التزاور و التضايف و المؤاكلة و المشاربة ، وليظل المجتمع كله في ظل المودة والسماحة ، و كذلك يجعل العفيفات من نسائهم ، و هن المحصنات بمعنى العفيفات من الحرائر ، طيبات للمسلمين ، و يقرن ذكرهم بذكر الحرائر من العفيفات من المسلمين ، و هي سماحة لم يشعر بها إلى أتباع الإسلام من بين سائر الديانات و النحل.
و هكذا يبدو أن الإسلام هو المنهج الوحيد الذي يسمح بقيام مجتمع عالمي ، لا عزلة فيه بين المسلمين و أصحاب الديانات الكتابية ، و لا حواجز بين الأصحاب بالعشرة و السلوك[8].
و نظرا لما تكتسيه العلاقات الاجتماعية من أهمية خاصة ، فقد أولاها الإسلام عناية فائقة ، و تنظيما دقيقا ، و لم يتركها لأهواء الناس تفعل بها ما تشاء إرضاء للنزوات و الشهوات ، التي أحاطتها أحكام الشريعة بكثير من الضمانات التي تحفظ العرض و النسل ، فقد حرم الإسلام كل علاقة غير شرعية بين الذكر والأنثى ، سواء تعلق الأمر بين المسلمين و المسلمات أو بين المسلمين و غيرهم من أهل الكتاب. و وضع لهذه العلاقات الاجتماعية ضوابط شرعية تحفظ المجتمع من الفساد و الانحلال ، الذي يؤدي حتما إلى كثير من الأمراض الاجتماعية التي يشكو منها العالم اليوم ، فمن ذلك الأحكام الشرعية المتعلقة بالزواج بين المسلم و غير المسلمة أي بالكتابية ، و هو ما يسميه التشريع الوضعي المعاصر “بالزواج المختلط” ، هذا المصطلح الدخيل لا وجود له في كتب الفقه المعتمدة. فما هو الزواج المختلط ؟ وما ها هي النصوص الشرعية التي تحكمه ؟
يقصد بالزواج المختلط ، الزواج الذي يكون أحد طرفيه معربي الجنسية و طرفه الثاني أجنبيا يحمل جنسية  بلد آخر ، فيكون من حقها إبرام عقد زواجهما بالمغرب ، ما دام هذا العقد ليس ممنوعا  في نظر قانون الأحوال الشخصية للزواج المغربي ، و الجدير بالذكر أن المشروع المغربي نظم كيفية الإشهاد على هذا الزواج بظهير 4 مارس 1960.
حيث نص في المادة الأولى منه على ما يلي :
” إن الأنكحة بين المغاربة و الأجنبيات من جهة ، و المغربيات و الأجانب من جهة أخرى إذا لم تكن ممنوعة في قانون الأحوال الشخصية الجاري على الزوج المغربي ، يجوز أن يقوم بمراسيم انعقادها بطلب من الزوج ضابط الحالة المدينة وفقا لمقتضيات ظهير 4 شتنبر 1915 “.
غير أن المشرع علق هذا الزواج المختلط الذي يبرمه ضابط الحالة المدنية على ضرورة الإشهاد عليه مسبقا من طرف عدلين وفقا للمدونة و لأن أحد طرفيه مغربي ، و هذا ما نصت عليه المادة الثانية من ظهير 4 مارس 1960 بقولها :
” إن انعقاد النكاح حسب صيغة الحالة المدنية يتوقف مع ذلك كله على سابق الإشهاد به طبق الشروط المنصوص عليها من حيث الجوهر و الصيغة في قانون الأحوال الشخصية الجاري على الزوج المغربي “.
و يتضح من خلال ما سبق أن إشهاد ضابط الحالة المدنية إذا كان يكفي لانعقاد الزواج المختلط بالنسبة للزوج الأجنبي ، فإنه لا يكفي بالنسبة للزوج المغربي ، بل لابد فيه من إشهاد عدلين ليكون ذلك الزواج منعقدا بالنسبة له [9] ، هذا هو الزواج المختلط بصورة مجملة كما ينص على ذلك التشريع المغربي.
و إن ظاهرة زواج المسلم بغير المسلمة أو الكتابية ، ظاهرة ليست جديدة و لا غريبة على المجتمع الإسلامي ، بل ظاهرة قديمة و متجذرة في التاريخ الإسلامي ، فلقد سجل هذا التاريخ و منذ العصر الراشدي زواج بعض الصحابة من الكتابيات ، فقد تزوج سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه نائلة بنت الفرافصة الكلبية و هي نصرانية أسلمت عنده ، و تزوج حذيفة بن اليمان رضي الله عنه يهودية من أخل المدائن ، وسئل جابر بن عبد الله رضي الله عنه عن نكاح المسلم اليهودية و النصرانية فقال : تزوجنا بهن زمان الفتح بالكوفة مع سعد بن أبي وقاص[10] . غير أن هذه الظاهرة كادت تختفي في الأعصر الإسلامية المتأخرة ، ولكنها ظهرت من جديد و بشكل خطير يدعو إلى كثير من الاندهاش و بدون مراعاة للضوابط الشرعية التي تضبط العلاقات الاجتماعية بين المسلمين و غيرهم من أهل الديانات الأخرى ، و لقد تفشت بكثير في القرن العشرين في صفوف الجالية الإسلامية خاصة بأوروبا و كندا  و الولايات المتحدة ، و اتخذت صورا وأشكالا مختلفة بعيدة كل البعد عن الأحكام الشرعية التي نظمتها و أعطتها ما تستحق من العناية والدرس.
فقد أجمع العلماء على إباحة الزواج بالكتابية يهودية كانت أم نصرانية سندهم في ذلك قول الله عز وجل : ” اليوم أحل لكم الطيبات و طعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم و طعامكم حل لهم و المحصنات من المومنات ، و المحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين و لا متخذي أخذان ، و من يكفر بالإيمان فقد حبط عمله و هو في الآخرة من الخاسرين “[11].
و المراد بالمحصنات في هذه الآية العفائف كما ذهب إلى ذلك جمع من السلف منهم الحسن والشعبي و إبراهيم و السدي و غيرهم [12].
 و روى عن أبي نجيح عن مجاهد أن المراد بالمحصنات في الآية الحرائر ، و لهذا حكى ابن رشد إجماع الصحابة بالكتابية الحرة إلا ما كان من ابن عمر [13].
فقد سئل عن نكاح اليهودية و النصرانية ، فقال : ” إن الله حرم المشركات على المسلمين ، و لا أعلم من الشرك شيئا أعظم من أن تقول ربها عيسى ابن مريم ، و هو عبيد الله “[14]. فعن ميمون بن مهران أنه قال : قلت لابن عمر : إنا بأرض يخالطنا فيها أهل الكتاب ، أفننكح نساءهم و نأكل طعامهن ؟ قال : فقرأ علي آية التحليل و آية التحريم ، قال : قلت : إني أقرأ ما تقرأ. أفننكح نساءهم و نأكل طعامهن ؟ قال : فأعاد علي أية التحليل و آية التحريم ، و يعني بآية التحليل : ” و المحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم “[15] و بآية التحريم : ” و لا تنكحوا المشركات حتى يؤمن “[16].
و معلوم أن ابن عمر كان من المتوقفين ، فلما رأى الآيتين في نظامهما إحداها تقتضي التحليل والأخرى تقتضي التحريم ، توقف و لم يقطع بإباحة.
و عليه ، فآية التحليل يقصد بها حمل الناس على التزوج بالعفائف لما فيه من تحقيق الود و الألفة بين الزوجين و إشاعة السكون و الاطمئنان.
و لعل السبب في إباحة الزواج بالكتابية بعكس المشركة ، هو أنها تلتقي مع المسلم في الإيمان ببعض المبادئ الإسلامية ، من الاعتراف بالإله و الإيمان بالرسل و باليوم الآخر و ما فيه من حساب و عقاب ، فوجود نواحي الالتقاء و جسور الاتصال على هذه الأسس ، يضمن توفير حياة زوجية مستقيمة غالبا ، ويرجى إسلامها لأنها تؤمن بكتب الأنبياء و الرسل في الجملة.
و الحكمة في كون المسلم يتزوج بالكتابية دون العكس ، هي أن المسلم يومن بكل الرسل و الأديان في أصولها الصحيحة الأولى ، و هذا لا يشكل خطرا على عقيدة زوجته أو على مشاعرها ، أما غير المسلم فلا يؤمن بالإسلام ، و في هذا خطر كبير على عقيدة زوجته و على الأولاد [17].
و معلوم أن مدونة الأسرة نصت في فقرتها الرابعة من المادة 39 على منع زواج المسلمة بغير المسلم، و المسلم بغير المسلمة ما لم تكن كتابية ، و اعتبرته من الموانع المؤقتة ، فإذا اعتنق الإسلام ارتفع المانع ، و جاز لها التزوج به. أما إذا كان مشركا أو وثنيا أو كتابيا ، فإنه لا يجوز للمرأة المسلمة الزواج منه بإجماع الفقهاء عملا بقوله تعالى : ” و لا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ، و لعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم ، أولئك يدعون إلى النار و الله يدعو إلى الجنة و المغفرة بإذنه “[18]. و بقوله تعالى أيضا : ” يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهم ، فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار ، لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن”[19].
قال الجصاص في قوله تعالى : ” فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار ، لا هن حل لهم ولا هم لا يحلون لهن ” في هذه الآية ضروب من الدلالة على وقوع الفرقة باختلاف الدارين بين الزوجين ، أي أن يكون أحد الزوجين من أهل دار الحرب و الآخر من أهل دار الإسلام ، و ذلك لأن المهاجرة إلى دار الإسلام قد صارت من أهل الإسلام ، وزوجها باق على كفره من أهل دار الحرب ، فقد اختلفت بهما الدار ، وحكم الله بوقوع الفرقة بينهما ، بقوله : ” فلا ترجعوهن إلى الكفار” ، و لو كانت الزوجية باقية لكان الزواج أولى بها بأن تكون معه حيث أراد ، كما يدل عليه قوله : ” و آتوهم ما أنفقوا ” ، لأنه أمر برد مهرها على الزوج ، و لو كانت الزوجية باقية لما استحق الزوج رد المهر ، لأنه لا يجوز أن يستحق البضع و بذله ، كما يدل عليه قوله تعالى : ” ولا جناح علنكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن ” ، فلو كان النكاح الأول باقيا لما جاز لها أن تتزوج كما يدل عليه أيضا قوله تعالى : ” و لا تمسكوا بعصم الكوافر”. و العصمة : المنع ، فنهانا أن تمتنع من تزويجها لأجل زوجها الحربي[20].
أما إذا كان الزوجان مسلمين و ارتد أحدهما عن الإسلام إلى دين سماوي آخر ، فالمشهور ي مذهب مالك أنه يفرق بينهما بطلاق بائن ، سواء كانت الردة من الزوج أو من الزوجة ، قبل الدخول أو بعده ، بل حتى و لو بدلت المسلمة دينها الإسلامي بالمسيحية أو اليهودية ، لأن من ارتد عن دينه اعتبر عديم الملة و الدين[21]. فإذا كان قصدها الردة هو الوصول إلى الطلاق فإنها لا تجاب إليه ، معاملة لها بنقيض قصدها.
و مجمل القول و محتواه عن الأحكام الشرعية التي تنظم العلاقات بين المسلمين و غيرهم من أهل الكتاب ، خاصة في باب الزواج بالكتابيات ، أن الآية القرآنية التي استند عليها الفقهاء في هذه المسألة ، هي الآية الخامسة من سورة المائدة ، هذه الآية التي تبيح بشكل صريح زواج المسلم بالكتابية ، لكن بشرطين أساسيين :
الشرط الأول : تحقيق العفة في كل من الأزواج و الزوجات ، و هذا الشرط هو المعبر عنه في الآية بالمحصنات بالنسبة إلى الزوجات ، وبمحصنين غير مسافحين و لا متخذي أخذان إلى الأزواج.
الشرط الثاني : خاص بالأزواج ، و يتجلى في المهور التي يجب عليهم دفعها إلى اللائي أرادوا التزوج بهن من حرائر الكتابيات العفيفات ، و غيرهم من حرائر المسلمات العفيفات اللائي ساهمن في تكوين الأسرة المسلمة ، التي مدت المجتمع بالنشء الصالح ، الذي بنى الحضارة الإسلامية التي استمدت قوتها وروحها من التوابث الإسلامية ، التي ظلت قائمة في وجه الزحف الصليبي و الصهيوني. و التي أقامها الإسلام على أساس من كتاب الله و سنة رسوله صلى الله عليه و سلم.
و صدق الله العظيم القائل في محكم كتابه : ” يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة و خلق منها زوجها و بث منهما رجالا كثيرا و نساء “[22].
 
 
د. علي أبولعكيك

 

[1]  - انظر في ظلال القرآن للسيد قطب ، ج7/143
[2]  - سورة النحل ، الآية : 125
[3]  - سورة آل عمران ، الآية : 64
[4]  - سورة البقرة ، الآية : 120
[5]  - الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري ، ج1/75
[6]  - الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري ، ج1/77
[7]  - وهبة الزحيلي ، الفقه الإسلامي و أدلته ، ج9/941
[8]  - في ظلال القرآن ، 2/92
[9]  - لحسن الخضيري : الوجيز في أحكام الزواج ، ص : 169
[10] – وهبة الزحيلي : الفقه الإسلامي و أدلته ، ج7/153
[11]  - سورة المائدة ، الآية : 5
[12]  - الجصاص : أحكام القرآن ، ج2/459
[13]  - بداية المجتهد ، ج2/33
[14]  - أحكام القرآن للجصاص ، ج2/460 ، ابن حجر فتح الباري ، ج1/522
[15]  - سورة المائدة ، الآية : 5
[16]  - سورة البقرة ، الآية : 221
[17]  - الفقه الإسلامي و أدلته ، ج7/153
[18]  - سورة البقرة ، الآية : 221
[19]  - سورة الممتحنة ، الآية : 10
[20]  - أحكام القرآن ، ج3/654
[21]  - الجزيري : الفقه على المذاهب الأربعة ، ص 226
[22]- سورة النساء ، الآية : 1

Print Friendly

عن بوابة أيت اعتاب

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>

Current day month ye@r *