أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / أزمة مشروع
أزمة مشروع

أزمة مشروع

 وراء اللغط الذي يُنتجه الصراع الحزبي والسياسي في المغرب، حول التموقعات تجاه الدولة، أو بصدد الاستحقاقات المقبلة، أو في حالات أقل حول بعض السياسات، في الواجهات البرلمانية والإعلامية، لا يبدو أن ثمة مشاريع سياسية مُتنافسة أو متكاملة ذات أفق أكبر.

نحن أمام ساحة سياسية تبدو كمتتالية من سباقات المسافات القصيرة، سباقات مدفوعة في كثير من الحالات بمشاريع فردية وأنانيات متضخمة وعجز أخلاقي فادحٍ، تبدو معها الطبقة السياسية مُنهكة بالاستثمار في «اليومي»، ومُستسلمة لردود الفعل اللحظية، وهي تنخرط بكل ثقلها في لعبة الضربات والضربات المضادة، التي لا ترى أبعد من الاستحقاق الانتخابي المقبل.

في بلادنا، تمارس «ديكتاتورية» التكتيكات قصيرة النفس، هيمنتها على الساحة السياسية والحزبية، حتى يسود «وهم الحَراك السياسي»، وتنتصر – صوتيا- جلبة الصراع المؤسساتي والإعلامي، لكن دون أن يستطيع هذا الصراخ الشديد أن يخفي حقيقة الفراغ السياسي، وغياب العمق وانحباس الأفكار المتجهة نحو المستقبل، وبؤس الخيال.

لا أحد يُريد أن يفكر في ما هو أبعد من الانتخابات، ولا أحد يغامر بإخراج السياسة من دائرة الاهتمام المرضي بالذات التنظيمية، أو من مأزق التلاسن والبوليميك بين الحكومة والمعارضة.

كان من المؤمل أن ينتج عن هبة فبراير 2011، – وهي التي أسهمت في تحقيق مكسب الإصلاح الدستوري، وأفضت في النهاية إلى أن تكون نتائج انتخابات نونبر 2011 على ما كانت عليه – حالة إصلاحية مستمرة تتوفر على شروط الصمود في وجه المقاومات والتقليد ومحاولات العودة إلى السلطوية، لكن شيئا من ذلك لم يحدث.

أربع سنوات بعد ذلك، تبدو الضبابية سيدة الموقف، فالتقاطب، أغلبية /معارضة، لا يستحضر من الجهتين رهانات الدمقرطة والإصلاح السياسي والتأويل الديمقراطي للدستور، فمن جهة الأغلبية، فإن خطاب المشاركة الحكومية كحلقة مركزية في البناء الديمقراطي، الذي ظهر في بدايات التجربة الحكومية، تم إقباره عمليا مع حكومة بنكيران الثانية. ومن جهة المعارضة، فإن خطاب المعارضة الديمقراطية – التي لا تريد أن تتحول إلى مقاومة للإصلاح – والتي تنطلق من الوعي بأهمية إنجاح تجربة التناوب الثاني، ومن دعم الحكومة في قضية تنزيل الدستور ومحاربة الفساد، تم النجاح، كذلك، في إقباره مع منتصف الولاية التشريعية.

كما أن أداء النخب وسلوكيات الفاعلين لم تسمح بتطور فرضية الدستور الذي سيفتح الباب أمام التأويل البرلماني، وحوّلت الممارسة السياسية مطلب تطبيق الدستور إلى أقصى مطلب ممكن في ظل المرحلة.

داخل كل هذا اللغط، لا نكاد نعثر – ضمن الأفق الديمقراطي والتقدمي – على فكرة مركزية واحدة تستطيع تعبئة فئات واسعة من المواطنين، وإغراء أجيال جديدة بالانخراط في مغامرة الالتزام السياسي.

المؤكد أن إحدى إشكاليات العمل السياسي اليوم، هي أزمة المشروع: المشروع الذي يتجاوز الأجوبة قصيرة النفس، المشروع الذي يمنح المعنى للأداء الحزبي وللدينامية المؤسساتية، والمشروع الذي يعطي للفعل السياسي أفقه التاريخي. 

عن :اليوم 24

Print Friendly

عن sherif seddati

الشريف السداتي مدون صحفي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>

Current day month ye@r *